فصل: باب ما يكره إدخاله دار الحرب وما لا يكره

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح السير الكبير **


  باب ما يكره إدخاله دار الحرب وما لا يكره

قال رضي الله تعالى عنه‏:‏ لا بأس بأن يحمل المسلم إلى أهل الحرب ما شاء إلا الكراع والسلاح والسبي وألا يحمل إليهم شيئاً أحب إلي لأن المسلم مندوب أن يستبعد من المشركين قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تستضيئوا بنار المشركين وقال‏:‏ أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تراءى نارهما وفي حمل الأمتعة إليهم للتجارة نوع مقاربة معهم فالأولى ألا يفعل ولأنهم يتقوون بما يحمل إليهم من متاع أو طعام وينتفعون بذلك‏.‏

والأولى للمسلم أن يحترز عن اكتساب سبب القوة لهم إلا أنه لا بأس بذلك في الطعام والثياب ونحو ذلك لما روي أن ثمامة بن أثال الحنفي أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقطع الميرة عن أهل مكة وكانوا يمتارون فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يأذن له في حمل الطعام إليهم فأذن له في ذلك وأهل مكة يومئذ كانوا حرباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا أنه لا بأس بذلك وهذا لأن المسلمين يحتاجون إلى بعض ما في ديارهم من الأدوية والأمتعة فإذا منعناهم ما في ديارنا فهم يمنعون أيضاً ما في ديارهم‏.‏

وإذا دخل التاجر إليهم ليأتي المسلمين بما ينتفعون به من ديارهم فإنه لا يجد بداً من أن يحمل إليهم بعض ما يوجد في ديارنا فلهذا رخصنا للمسلمين في ذلك إلا الكراع والسبي والسلاح فإنه لا يحمل إليهم شيء من ذلك منقول عن إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم وهذا لأنهم يتقوون بالكراع والسلاح على قتال المسلمين وقد أمرنا بكسر شوكتهم وقتل مقاتلتهم لدفع فتنة محاربتهم كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ‏}‏ البقرة‏:‏ فعرفنا أنه لا رخصة في تقويتهم على محاربة المسلمين‏.‏

وإذا ثبت هذا في الكراع والسلاح ثبت في السبي بطريق الأولى لأنه إما أن يقاتل بنفسه أو يكون منهم من يقاتل وتقويتهم بالمقاتل فوق تقويتهم بآلة القتال‏.‏

وكذلك الحديد الذي يصنع منه السلاح لأنه مخلوق لذلك في الأصل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ‏}‏ الحديد‏:‏ 25 والمصنوع منه وغير المصنوع في كراهية الحمل إليهم سواء وهذا لأن الحديد أصل السلاح والحكم الثابت فيما يحصل من أصل يكون ثابتاً في الأصل وإن لم يوجد فيه ذلك المعنى ألا ترى أن المحرم إذا كسر بيض الصيد يلزمه الجزاء كما يلزمه بقتل الصيد‏.‏

واستدل عليه بحديث الحسن رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره بيع السلاح في الفتن وهكذا نقول فإن بيع السلاح في أيام الفتنة اكتساب سبب تهييجها وقد أمرنا بتسكينها قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها فإذا كان ذلك مكروهاً في زمان الفتنة ممن هو من أهل الفتنة فلأن يكره حمله إلى دار الحرب للبيع منهم كان أولى‏.‏

وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان لأن أموالهم لا تصير معصومة بدخوله إليهم بأمان ولكنه ضمن بعقد الأمان ألا يخونهم فعليه التحرز عن الخيانة وبأي سبب طيب أنفسهم حين أخذ المال فإنما أخذ المباح على وجه منعه عن الغدر فيكون ذلك طيباً له الأسير والمستأمن في ذلك سواء حتى لو باعهم درهماً بدرهمين أو باعهم ميتة بدراهم أو أخذ مالاً منهم بطريق القمار فذلك كله طيب له وهذا كله قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما وقال سفيان الثوري‏:‏ يجوز ذلك للأسير ولا يجوز للمستأمن وهو قول أبي يوسف رضي الله عنه ولكنا نقول‏:‏ المستأمن إنما يفارق الأسير في الأخذ بغير طيب أنفسهم فأما في الأخذ بطيب أنفسهم فهو كالأسير لأن الواجب عليه ألا يغدر بهم ولا غدر في هذا‏.‏

ثم استدل عليه بحديث مخاطرة أبي بكر رضي الله تعالى عنه مع أهل مكة في غلبة الرو مع أهل فارس حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ زده في الخطر وأبعد في الأجل فلو لم يكن ذلك جائزاً معهم لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ولما قمرهم أبو بكر رضي الله عنه وأخذ الخطر فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ تصدق به فبظاهره يستدل سفيان فيقول‏:‏ لو كان ذلك له طيباً لم يأمره بالتصدق ولكنا نقول‏:‏ لو كان ذلك حراماً لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقامرهم عليه ولو لم يملكه بهذا الطريق ما أمره أن يتصدق به فعرفنا بهذا أن ذلك كان جائزاً ولكن ندبه إلى التصدق شكراً لله تعالى على ما أظهر من صدقه‏.‏

واستدل بمصارعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ركانة حين كان بمكة ثلاث مرات في كل مرة بثلث غنمه ولو كان مكروهاً ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لما صرعه في المرة الثالثة قال‏:‏ ما وضع أحد جنبي قط وما أنت صرعتني فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم عليه فبظاهره يستدل سفيان فيقول‏:‏ لو كان ذلك طيباً ما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ولكنا نقول‏:‏ لو كان ذلك مكروهاً ما دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما رد الغنم عليه تطولاً منه عليه وكثيراً ما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين يؤلفهم به حتى يؤمنوا‏.‏

واستدل عليه أيضاً بحديث بني قينقاع فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين أجلاهم قالوا‏:‏ إن لنا ديوناً لم تحل بعد فقال‏:‏ تعجلوا أو ضعوا ولما أجلى بني النضير قالوا‏:‏ إن لنا ديوناً على الناس فقال‏:‏ ضعوا أو تعجلوا ومعلوم أن مثل هذه المعاملة لا يجوز بين المسلمين فإن من كان له على غيره دين إلى أجل فوضع عنه بعضه بشرط أن يعجل بعضه لم يجز كره ذلك عمر وزيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم ثم جوزه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقهم لأنهم كانوا أهل حرب في ذلك الوقت ولهذا أجلاهم فعرفنا أنه يجوز بين الحربي والمسلم ما لا يجوز بين المسلمين قال‏:‏ فإن كان المسلمون في عسكرهم والمشركون كذلك فليس ينبغي أن يبايع بعضهم بعضاً إلا بما يجوز بين المسلمين وإنما يجوز ما ذكرنا إذا كانوا في دار الحرب أو في منعة المشركين فأما إذا كان أحدهما في منعة المسلمين فهذا وما لو كان في منعة المسلمين سواء وأكثر مشايخنا قالوا‏:‏ هذا الجواب غلط فإن جواز الأخذ باعتبار أنه لا عصمة لما لهم وفي هذا لا فرق بين أن يكون المسلم في منعتهم وبين أن يكون هو في منعة المسلمين والحربي في منعة المشركين إلا أن محمداً رحمه الله تعالى اعتمد فيما أجاب به الموضع الذي تجري فيه المعاملة فقال‏:‏ إن كانا جميعاً في موضع لا يجري فيه أحكام الإسلام يجوز هذه المعاملة وإن كان أحدهما في موضع يجري فيه أحكام المسلمين لا يجوز هذه المعاملة واستدل عليه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن نوفل بن عبد الله لما قتل في الخندق سأل المشركون المسلمين جيفته بمال يعطونه المسلمين فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وكرهه‏.‏

وفي رواية قال‏:‏ إنه خبيث الدية خبيث الجيفة فخلى بينهم وبينه وإنما كره هذا على ما ذهب إليه محمد رحمه الله لأن موضع الخندق كان في منعة المسلمين وعلى ما قال مشايخنا‏:‏ رحمهم الله تعالى إنه إنما كره ذلك لأنه رأى فيه كبتاً وغيظاً لهم إن لم تثبت الرواية الأخرى أنه خلى بينهم وبينه وإن ثبت ذلك فإنما كره ذلك على سبيل الإهانة والاستخفاف بهم أو لئلا ينسب إلى المسلمين ما لا يليق بمكارم الأخلاق فقد كان عليه السلام يقول‏:‏ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وذكر حديث سعد بن عبادة أنه اشترى يوم خيبر تبراً بذهب فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن هذا لا يصلح فرده وبظاهره يستدل سفيان فيقول‏:‏ إنما أمره بالرد لأنه لم يكن مثلاً بمثل ولكنا نقول‏:‏ إنما كره ذلك لأنه اشتراه في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤيد هذا أن من يكره هذا إنما يكرهه للمستأمن والمسلمون يوم الخندق ما كانوا في أمان من المشركين وسعد يوم خيبر ما كان في أمان من اليهود ولكن كان محارباً لهم فعرفنا أنه إنما كره ذلك لأن تلك المعاملة كانت في منعة المسلمين والله أعلم بالصواب‏.‏

  باب من يكره قتله من أهل الحرب من النساء وغيرهم

قال‏:‏ لا ينبغي أن يقتل النساء من أهل الحرب ولا الصبيان ولا المجانين ولا الشيخ الفاني لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ‏}‏ البقرة‏:‏ وهؤلاء لا يقاتلون وحين استعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء أشار إلى هذا بقوله‏:‏ هاه ما كانت هذه تقاتل أدرك خالداً وقل له‏:‏ لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً ولأن الكفر وإن كان من أعظم الجنايات فهو بين العبد وبين ربه جل وعلا وجزاء مثل هذه الجناية يؤخر إلى دار الجزاء فأما ما عجل في الدنيا فهو مشروع لمنفعة تعود إلى العباد وذلك دفع فتنة القتال وينعدم ذلك في حق من لا يقاتل بل منفعة المسلمين في إبقائهم ليكونوا أرقاء للمسلمين فإن قاتل واحد من هؤلاء فلا بأس بقتله لأنهم باشروا السبب الذي به وجب قتالهم وإذا كان يباح قتل من له بنية صالحة للمحاربة يتوهم القتال منه فلأن يباح قتل من وجد منه حقيقة القتال كان أولى وإن قتل أحد منهم إنساناً ثم أخذه المسلمون فأما الصبي والمجنون فلا ينبغي أن يقتلوه لأن قتله إنما أبيح لدفع قتاله وقد اندفع حين وقع الظهور عليه وهذا لأنه ما كان مخاطباً فلا يكون فعله جناية يستوجب به العقوبة جزاء عليه بمنزلة البهيمة فإنها إذا صالت على إنسان يباح قتلها دفعاً ثم إذا أخذت واندفع قصدها لم يحل قتلها‏.‏

وأما المرأة والشيخ الفاني فلا بأس بقتلهما بعدما أخذا لأنهما مخاطبان من أجل أن يستوجب العقوبة جزاء على فعلهما وقد تحقق الفعل الموجب لعقوبة القتل منهما‏.‏

ألا ترى أنهما يقتلان قصاصاً فكذلك يقتلان جزاء على فعلهما‏.‏

ومن قتل أحداً من هؤلاء قبل وجود القتال منه فلا كفارة عليه ولا دية لأن وجوبهما باعتبار العصمة والتقوم في المحل وذلك بالدين أو بالدار ولم يوجد واحد منهما وإنما حرم قتلهم لتوفير المنفعة على المسلمين أو لانعدام العلة الموجبة للقتل وهي المحاربة لا لوجود عاصم أو مقوم في نفسه فلهذا لا يجب على القاتل الكفارة والدية وإلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث بقوله‏:‏ هم منهم يعني أن ذراري المشركين منهم في أنه لا عصمة لهم ولا قيمة لذمتهم‏.‏

قال‏:‏ والعسيف الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله الأجير وهو بمنزلة الحراث يعني من لا يكون من همته القتال وإنما همته من القتال اكتساب المال فقط بإجارة النفس بخدمة الغير أو الاشتغال بالحراثة فإنه لا يقتل لانعدام القتال منه والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم فالمراد بالشيوخ البالغون وبالشرخ الصبيان والمراد بالاستحياء الاسترقاق قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ‏}‏ البقرة‏:‏ 49 فأما الشيخ الفاني الذي لا يكون منه القتال ولا يعين المقاتلين بالرأي ولا يرجى له نسل فإنه لا يقتل وبيانه في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقتل المرأة والصبي والشيخ الكبير فإن أعانت المرأة المقاتلين فلا بأس بقتلها هكذا نقل عن الحسن وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال‏:‏ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة فأنكر قتلها وقال‏:‏ من قتلها فقال رجل‏:‏ أنا يا رسول الله أردفتها خلفي فأرادت قتلي فقتلتها فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفنت‏.‏

وكذل إن كانت تعلن شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بأس بقتلها لحديث أبي إسحاق الهمداني قال‏:‏ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إني سمعت امرء من يهود وهي تشتمك والله يا رسول الله إنها لمحسنة إلي فقتلتها فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمها واستدل بحديث عمير بن عدي فإنه لما سمع عصماء بنت مروان تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام وتحرض على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكر في ذلك شعراً وهو هذا‏:‏ باست بني مالك والنبيت وعوف وباست بني الخزرج أطعتم أتاوي من غيركم فلا من مراد ولا من مذحج ترجونه بعد قتل الرءوس كما يرتجى مرق المنضج ألا أنف يبتغي عزة فيقطع من أمل المرتجي وذلك بعدما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر قال‏:‏ اللهم إن لك علي نذراً إن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأقتلنها‏.‏

‏.‏

‏.‏

الحديث إلى أن قتلها ليلاً ثم أصبح وصلى الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال‏:‏ أقتلت ابنة مروان قال‏:‏ نعم فهل علي في ذلك شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا ينتطح فيها عنزان ثم التفت إلى من حوله فقال‏:‏ إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله فانظروا إلى عمير فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه‏:‏ انظروا إلى هذا الأعمى الذي أسرى في طاعة الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تقل الأعمى ولكنه البصير‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

الحديث واستدل بحديث زيد بن حارثة حين قتل أم قرفة وهي كانت ممن تحرض على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي أنها جهزت ثلاثين راكباً من ولدها ثم قالت‏:‏ سيروا حتى تدخلوا المدينة فتقتلوا محمداً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ اللهم أذقها ثكلهم فقتلها زيد ابن حارثة وبعث بدرعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنصب بين رمحين بالمدينة وروي أنه قتلها قيس ابن المسحر أسوأ قتلة علق في رجليها حبلين ثم ربطها ببعيرين فأرسلهما فشقاها شقاً حتى تقول العرب على سبيل المثل في ذلك‏:‏ لو كنت أعز من أم قرفة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل هند بنت عتبة لما كانت تفعل من التحريض على قتال المسلمين حتى أسلمت واستثنى ممن أمنهم يوم فتح مكة قيساً وابن خطل وأمر بقتلهما لأنهما كانا يغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأمر يوم بني قريظة بقتل بناتة لأنها كانت قتلت خلاد ابن سويد أمرها بذلك زوجها حتى لا يترك بعده على ما روي أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ دخلت علي بناتة تسألني شيئاً وهي تضحك ظهراً لبطن وتقول‏:‏ يقتل سراة بني قريظة إلى أن نوه إنسان باسمها فقالت‏:‏ أنا والله أقتل وهي تضحك فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها‏:‏ ويحك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل النساء قالت‏:‏ نعم وإنما قتلت زوجي حين أمرني فدليت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته ثم أخرجت فقتلت‏.‏

وعن سعيد بن المسيب قال‏:‏ لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر أهدت إليه زينب بنت أخ مرحب شاة مصلية فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الذراع وقال‏:‏ إن هذه الذراع لتخبرني أنها مسمومة ثم دعا زينب وقال‏:‏ ما حملك على ما صنعت فقالت‏:‏ نلت من قومي ما نلت قتلت أبي وعمي وزوجي فقلت إن كان نبياً فستخبره الشاة بما صنعت وإن كان ملكاً استرحنا منه فمات بشر بن البراء مما أكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

أهل المغازي يختلفون فيه فذكر الواقدي في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قتلها وأظهر الروايات أنه عفا عنها كما ذكره محمد رحمه الله وإنما فعل ذلك لأن هذا كان بعد الصلح وبعدما أطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فلم يكن ذلك منها نقضاً للعهد ولا محاربة مع المسلمين فإن قيل‏:‏ فلماذا لم يقتلها قصاصاً ببشر بن البراء على قول من يرى وجوب القصاص بالقتل بالسم قلنا‏:‏ لأن من يوجب القصاص أو الدية في ذلك إنما يوجبه عند الاتحاد فإذا تناوله بنفسه فليس على من ناوله دية ولا قصاص وبشر بن البراء أكل ذلك بنفسه فلهذا لم يوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قصاصاً ولا دية والله أعلم‏.‏

واستعانة المشركين بالمسلمين ولا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر عليهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع على بني قريظة ولأن من لم يسلم من أهل مكة كانوا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركباناً ومشاة إلى خيبر ينظرون لمن يكون الدبرة فيصيبون من الغنائم حتى خرج أبو سفيان في إثر العسكر كلما مر بترس ساقط أو رمح أو متاع من متاع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله حتى أوقر جمله وخرج صفوان وهو مشرك ومعه امرأة مسلمة ولم يفرق بينهما النبي صلى الله عليه وسلم حتى شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنيناً والطائف وهو مشرك وإنما لم يفرق بينهما لأنهما كانا في أحكام المسلمين والموجب للفرقة تباين الدارين حقيقة وحكماً فعرفنا أنه لا بأس بالاستعانة بهم ما ذلك إلا نظير الاستعانة بالكلاب على قتال المشركين وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ إن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم في الآخرة والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد رأى كتيبة حسناء قال‏:‏ من هؤلاء فقيل‏:‏ يهود بني فلان حلفاء ابن أبي فقال‏:‏ إنا لا نستعين بمن ليس على ديننا تأويله أنهم كانوا أهل منعة وكانوا لا يقاتلون تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا إذا كانوا بهذه الصفة فإنه يكره الاستعانة بهم‏.‏

واختلفت الروايات في سبب رجوع ابن أبي يوم أحد فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يأخذ برأيه حين أشار إليه بألا يخرج من المدينة غاظه ذلك فانصرف وقال‏:‏ أطاع الصبيان وخالفني فيما نصحت له وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رده حين عرض عليه أن يخرج فيقاتل معه فقال‏:‏ لا إنا لا نستعين بمشرك وإنما كره ذلك لأنه كان معه سبعمائة من يهود بني قينقاع من حلفائه فخشي أن يكونوا على المسلمين إن أحسوا بهم زلة قدم فلهذا ردهم وعندنا إذا رأى الإمام الصواب في ألا يستعين بالمشركين لخوف الفتنة فله أن يردهم ثم ذكر حديث الزبير رضي الله تعالى عنه حين كان عند النجاشي فنزل به عدوه فأبلى يومئذ مع النجاشي بلاء حسناً فكان للزبير عند النجاشي بها منزلة حسنة فبظاهر هذا الحديث يستدل من يجوز قتال المسلمين مع المشركين تحت رايتهم ولكن تأويل هذا من وجهين عندنا أحدهما‏:‏ أن النجاشي كان مسلماً يومئذ كما روي فلهذا استحل الزبير القتال معه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لم يكن للمسلمين يومئذ ملجأ غيره على ما روي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ لما اطمأننا بأرض الحبشة فكنا في خير دار عند خير جار نعبد ربنا إلى أن سار إلى النجاشي عدو له فما نزل بنا قط أمر عظيم منه قلنا‏:‏ إن ظهر على النجاشي لم يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف فأخلصنا الدعاء إلى أن يمكن الله النجاشي ثم قلنا‏:‏ من رجل يعلم لنا علم القوم فقال الزبير بن العوام‏:‏ أنا فنفخ قربة ثم ركبها حتى عبر النهر والتقى القوم وحضر الزبير معهم وجعلنا نخلص الدعاء إلى أن طلع الزبير في النيل يليح بثوبه ألا أبشروا فإن الله تعالى قد أظهر النجاشي ومكن له في الأرض وأهلك عدوه قالت‏:‏ فأقمنا عند خير جار فبهذا الحديث تبين صحة التأويل الذي قلنا‏.‏

والله أعلم‏.‏

  باب ما يكره من الديباج والحرير

قال‏:‏ وكره أبو حنيفة رحمة الله عليه الديباج والحرير المصمت في الحرب ولم ير أبو يوسف ومحمد رحمهما الله بذلك بأساً في الحرب وقد بينا المسألة في شرح المختصر وروى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا بأس بلبس الحرير والديباج في الحرب فبظاهره أخذ وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه‏:‏ تأويله الملحم وهو ما يكون سداه غير حرير ولحمته حرير وهذا لا بأس بلبسه في الحرب وإن كان يكره لبسه في غير الحرب فأما ما يكون سداه حريراً ولحمته غير حرير فلا بأس بلبسه في الحرب وغير الحرب وعليه أيضاً يحمل حديث الزبير أنه كان يلمق الديباج يلبسه في دار الحرب فأما إذا كان حريراً مصمتاً فذلك مكروه على ما روي أن الوليد بن أبي هشام كتب إلى ابن محيريز يسأله عن يلامق الحرير والديباج في الحرب فكتب إليه أن كن أشد ما كنت في الحرب كراهية لما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التعرض للشهادة‏.‏

  باب المكره على شرب الخمر وأكل الخنزير

وذكر حديث عطاء في الرجل يكره على شرب الخمر أو لحم الخنزير قال‏:‏ إن لم يفعل حتى يقتل أصاب خيراً وإن أكل وشرب فهو في عذر ولسنا نأخذ بهذا بل نقول‏:‏ لا يحل له أن يدع الأكل والشرب عند خوف القتل وهو قول مسروق فإنه قال‏:‏ من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار وأبو يوسف رحمة الله عليه في رواية عنه أخذ بقول عطاء وجعل ذلك قياس الإكراه على الشرك بالله تعالى ولكنا نقول‏:‏ إن الحرمة تنكشف عند الضرورة فإن الله تعالى استثنى موضع الضرورة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ‏}‏ الأنعام‏:‏ والاستثناء من التحريم إباحة وبعدما انكشفت الحرمة التحق هذا بالطعام والشراب فإذا امتنع عن تناوله حتى يقتل كان آثماً بخلاف الكفر فإن الحرمة لا تنكشف ولكن يرخص له في إجراء كلمة الكفر على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان فهو بالامتناع يكون متمسكاً بالعزيمة وفي الإجراء يكون مرخصاً بالرخصة والتمسك بالعزيمة أفضل إلا أن في الكتاب لم يطلق الجواب في تأثيمه ولكن قال‏:‏ خفت أن يأثم لأن هذا المكره ليس في معنى المبتلى بالمخمصة من كل وجه فإن هناك لا صنع لأحد من العباد فيما حل من العذر وها هنا خوف الهلاك إنما حصل بصنع العباد وفيما يكون من حق الله تعالى لا يستوي ما فيه صنع العباد بما لا صنع للعباد فيه ثم في الامتناع بعد إكراه المشركين إظهار للصلابة في الدين وما فيه مغايظة المشركين وذلك لا يوجد في صاحب المخمصمة فلهذا صح الجواب ها هنا بقوله‏:‏ خفت أن يأثم والله الموفق‏.‏